الصراع الصيني الأمريكي مساحات الاشتباك وقرار المواجهة


ظلت الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية هي القوة العظمى التي حافظت على موقعها القيادي العالمي حتى يومنا هذا. ففي حين انهار الاتحاد السوفيتي

.

الصراع الصيني الأمريكي: مساحات الاشتباك وقرار المواجهة

 

نبذه مختصرة

ظلت الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية هي القوة العظمى التي حافظت على موقعها القيادي العالمي حتى يومنا هذا. ففي حين انهار الاتحاد السوفيتي منذ ثلاثة عقود ظلت الولايات المتحدة القطب الوحيد في العالم. إلا أن هذا لم يمنع من بداية ظهور قوى جديدة مثل الصين التي تنافس حاليا بهدوء على مركز عالمي متقدم. وبدأت تحتك مباشرة مع الولايات المتحدة في مناطق النفوذ ومجالات وفضاءات الجيوستراتيجية التي تعتبر في مجال التهديد الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية. تحاول هذه الورقة استكشاف مجالات ومساحات الاشتباك بين القوتين، والحلفاء لكلا الطرفين وصولا لتوقع اتجاهات الصراع بينهما.

مقدمة

منذ مهد التاريخ والصراع بين القوى في العالم متفاعل حيث ينشط حينا ويهدأ حينا آخر، وكل ذلك بهدف بسط السيطرة والنفوذ طمعا في موارد طبيعية أو مالية أو نفوذ سياسي وسيطرة على القرار الدولي حسب طبيعة وحجم المجتمعات البشرية. ونشهد اليوم صراعا واضحا بين قوة دولية مهيمنة منذ الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا ممثلة بالولايات المتحدة الأمريكية وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع عام 1990. ومنذ ذاك الحين وليومنا هذا ظهرت وتظهر مجموعة من القوى الناهضة مختلفة الوزن والحجم كاليابان وكوريا الشمالية والبرازيل والهند وتركيا حديثا. إلا أن قوة واحدة مازالت في صعود واضح في مجالات عديدة كالتكنلوجيا والقوة العسكرية والتصنيعية والاقتصادية ألا وهي الصين التي اجتازت المجال الحيوي الاستراتيجي الأمريكي وأضحت تشكل تهديدا حقيقيا (من وجهة النظر الأمريكية) على النفوذ الاقتصادي والهيمنة الأمريكية خاصة والأوربية عامة. وستعمل هذه الورقة على دراسة مجالات الاشتباك وفضاءاتها الجيوستراتيجية، الحلفاء المتوقعون للطرف الصيني، وقرار الاشتباك العسكري مستخدمة التحليل واستقراء المعطيات وصولا لاستنتاج إمكانية التصعيد بين الطرفين.   

أولا: فهم الاستراتيجية الامريكية الكبرى (Grand Strategy)

التهديدات من وجهة نظر الاستراتيجية الأمريكية الكبرى[1]

 

  1. ظهور منافس نظير معاد لها حيث عارضت الولايات المتحدة ء نفسه في معارضة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، والاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة. ويمكن اعتبار "إعادة التوازن إلى آسيا" شأنا من الشئون الاستراتيجية الأمريكية حيث تعارض التحركات الإقليمية الصينية في شرق وجنوب بحر الصين لمحاولة مواجهة صعود الصين بطريقة تتماشى مع الاستراتيجية الأمريكية الكبرى القديمة. أما الدول أو المجموعات المسالمة التي لا تشكل أي تهديد استراتيجي للولايات المتحدة فتعتبر دول مسالمة وغير عدائية (مثل الاتحاد الأوروبي). كما أن أي قوة عظمى استبدادية، تمتلك كل من الوسائل العسكرية والاقتصادية والرغبة الواضحة في توسيعها وتوسيعها فهي تشكل تهديدًا وجوديًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي. لقد عارضت الاستراتيجية الأمريكية الكبرى تقليديًا مثل هذه القوى وستفعل ذلك في جميع الاحتمالات مرة أخرى
  2. تحديات مباشرة للحلفاء الرئيسيين مثل الناتو، والحلفاء المقربين مثل اليابان وكوريا الجنوبية الذين يساعدون في توسع القوة والنفوذ الأمريكي على الصعيد العالمي. حيث يضيف التعاون مع الحلفاء قواتهم العسكرية إلى القوات الامريكية ويؤمن المصالح الأمريكية حول العالم. فأمريكا لا تدخل في ترتيبات بسبب الإيثار، بل لأنها تخدم مصالح الولايات المتحدة. ومن المتوقع أن يتصرف قادة الولايات المتحدة بحسم عندما يتعرض الحلفاء لتهديد مباشر.
  3. استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الوطن سواء ذات طبيعة نووية أو كيميائية أو بيولوجية أو إلكترونية أو متفجرة / حركية (مثل هجمات 11 سبتمبر / أيلول) تقدمها أي دولة أو جهات فاعلة غير حكومية. حيث تؤدي الهجمات الفردية أو المتعددة التي تتسبب في وقوع إصابات جماعية ضخمة إلى انهيار اقتصادي جزئي أو كامل وفقدان الثقة في هياكل الحوكمة لدى الولايات المتحدة الامريكية، مما يعرض مستوى معيشتهم وطريقة حياتهم للخطر، بالإضافة إلى التسبب في خسائر في الأرواح
  4. الاضطراب الاقتصادي من الخارج ومن الأمثلة على ذلك غزو صدام حسين للكويت عام 1990، والذي عرّض النظام الاقتصادي الدولي للخطر من خلال تهديد التدفق الحر للنفط من الخليج الفارسي. وكذلك أي هجوم إلكتروني كبير على القطاع المالي أو إغلاق مضيق تيران أو مضيق ملقا من قبل جهة معادية. ويمكن أن تكون أي عرقلة كبيرة للاقتصاد العالمي، والتي تعتمد على ثقة المستثمرين والتدفق الحر للسلع والطاقة، أن يكون لها عواقب كارثية على الولايات المتحدة. وقد أظهر الرؤساء الأمريكيون مرارًا وتكرارًا استعدادًا لاستخدام القوة لضمان الوصول إلى الأسواق، وضمان التجارة الحرة والاستقرار الاقتصادي.

ومن الواضح أن الاستراتيجية الأمريكية تتبنى القاعدة التالية: "يقع على عاتق الدولة المهيمنة خلق الظروف التي يمكن أن يترسخ في ظلها الترابط الاقتصادي (من خلال توفير الأمن، وتحديد قواعد اللعبة، وتوفير العملة الاحتياطية، والعمل كمصرف للاقتصاد العالمي ومقرض له). ولا يحدث الترابط الاقتصادي بدون قوة مهيمنة لأداء هذه المهام. وفي الواقع، فإن التجارة الحرة والاعتماد المتبادل لم يحدث في النظام الدولي الحديث إلا بعد هيمنة بريطانيا الفيكتورية وأمريكا بعد الحرب"[2]

مبادئ المواجهة الأمريكية

  1. مواجهة التهديد بعيدا عن أرض الوطن
  2. استخدام أدوات مختلفة في وقت واحد، والاعتماد على الاستخبارات والدبلوماسية والوجود المتقدم والقوة الاقتصادية لإحباط أو إبعاد أو نزع فتيل التحديات الأمنية والاحتفاظ بالقوة العسكرية كملاذ أخير
  3. بصفتها القوة العالمية الراسخة، تحاول الولايات المتحدة تشكيل بيئة الأمن الدولي لمنع أو درء التحديات الأمنية حيثما أمكن ذلك

ثانيا: الأبعاد الأربعة الجيوستراتيجية التي تتحرك فيها الصين

          لم تعد الجيوستراتيجي كما كانت في الماضي سيطرة على الأرض ولكن أخذت تتحرك ضمن أبعاد جديدة منها: الأرض والبحر والفضاء والزمن. فالأرض والبحر والسيطرة عليهما مفهومة من منذ زمن بعيد، ثم جاءت السيطرة على الفضاء وما تبع ذلك من فكرة حرب النجوم التي أطلقت في عهد الرئيس الأمريكي ريغان للسيطرة على الفضاء وما سبق ذلك من رحلات للفضاء وإطلاق الأقمار الصناعية التي تساعد بشكل كبير في السيطرة ومراقبة الأرض والبحار لفرض السيطرة المعلوماتية والرقابية والهيمنة التكنولوجية. ثم تطور الأمر في بعد جديد ألا وهو بعد الزمن حيث أصبح السيطرة على الزمن والحصول على الشيء قبل الغير، مجالاً لصراع جيوستراتيجي جديد، ويتمثل ذلك بوضوح في الصراع على فكرة جي 5 (G5) التي في ظاهرها صراع تكنولوجي ولكن في حقيقتها صراع على الزمن بسبب السرعة الهائلة التي تتمتع بها هذه التكنولوجيا والتي تؤهل من يملكها ليسيطر على المعلومات العالمية. وبالتالي أصبحت الجيوستراتيجي ومفاهيمها (مبادئها) معقدة ومتداخلة وأضحت تتطلب تكامل كل الأبعاد: الأرض والبحر والفضاء والزمن لتحقق أهدافها.

مكونات الأبعاد الأربعة[3]

لكل من الأبعاد الأربعة: الأرض، البحر، الفضاء، الزمن مكونات خاصة بها تشكل بنيتها الداخلية.

البعد

المكونات

الأرض

·       التضاريس الجغرافية مثل الجبال والسهول والوديان والبحار

·       طرق المواصلات البرية وسكك الحديد

·       خطوط الملاحة الجوية

·       الحدود السياسية والدول المجاورة

·       الثروات الطبيعية والموارد

·       المناخ

·       الموقع والشكل الجغرافي

البحر

·       الموانئ التجارية وطرق المواصلات البحرية

·       الممرات المائية

·       الثروات البحرية

الفضاء

·       تكنولوجيا الفضاء

·       الأقمار الصناعية

·       تدفق المعلومات

·       الهجمات السيبرانية

الزمن

·       تطور التكنولوجيا

·       التطورات والتحولات الديمغرافية

·       معدلات نفاد الثروات الطبيعية

 

وسنجد أن الصين تتحرك في هذه الأبعاد الاستراتيجية الأربعة بهدوء ولكن بعمق وقد قطعت شوطا كبيرا في جميع هذه الأبعاد كما سنرى لاحقا. 

 

ثالثا: مساحات الاشتباك في الأبعاد الأربعة

 

نظام العولمة والشركات العابرة للقارات والتبادل التجاري

فُتحت أسواق العالم للرأسمالية العالمية، التي ابتدعت العولمة في مطلع القرن العشرين، ولمنتجاتها الاقتصادية وحتى الثقافية منها، وحققت أرباحا هائلة من العولمة وتطبيقاتها. لقد وصل العالم لدرجة كبيرة من التداخل والتكامل الاقتصادي العميق من خلال العولمة ممثلة في سلاسل التوريد (supply chains) والإنتاج بالاستعانة بمصادر خارجية (outsourcing. حيث طورت الشركات الرأسمالية متعددة الجنسيات فكرة سلاسل التوريد العالمية حيث اليد العاملة الرخيصة وبالتالي زيادة الأرباح. كل ذلك جعل العالم مترابطا اقتصاديا بدرجة هائلة ولم يعد هناك خيار إلا تحسين هذا النموذج من العولمة وزيادة كفاءته. وبعد هذه السنوات الطويلة اندمجت دول العالم الأخرى وعلى رأسها الصين في سلاسل التوريد والتصنيع العالمية، وشكلّت لنفسها كيانات اقتصادية توفر السلع والمنتجات والتكنلوجيا بأسعار منافسة. مما دفع المصانع الغربية للاعتماد عليها، بمعنى آخر، أصبح لدول العالم الأخرى وخصوصا الصين جزءا من كعكة الأرباح وأضحت تصنّع متطلبات الدول المتقدمة إذ أن تكلفة تصنيعها في الصين أو الهند أو غيرها أقل بكثير من نظيراتها في الغرب. فأصبحت مصلحة الشركات والعديد من الدول استدامة العولمة لتحقيق مزيد من التعاملات الاقتصادية والحركة المالية وانسيابها في الأسواق وتحقيق المكاسب والارباح. فعلى سبيل المثال، تبلغ حصة الصين في سلاسل التوريد العالمية تبلغ من 33% إلى 53% من الناتج العالمي من أجزاء المعدات الكهربائية والسيارات، 52 % من المعادن الأساسية، 58% من المنتجات المعدنية، 58% من المنسوجات والملابس والجلود لمجموعة السلع، 40 % من الأخشاب والمنتجات الخشبية، 35٪ من الأدوية. وفي المقابل تستورد الصين نفس النسب المئوية للمنتجات العالمية من تلك الفئات[4]. والعديد من هذه القطاعات هي جزء من سلاسل التوريد المعقدة عبر المقاطعات الصينية المختلفة، بل أن بعضا منها يتم تصنيعه خارج الصين. بمعنى أـن هناك تداخلا شائكا في سلاسل التوريد، فالصين تستورد مواد خام وتصنع عندها وعند غيرها، ثم تصدر للدول الأخرى وهكذا تدور العجلة[5].

هذا الوضع الاقتصادي القوي للصين وتأثيرها على الاقتصاد العالمي يعكس خللا في التوازن بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية. وأن الصين باستطاعتها أن تمنع توريد العديد من احتياجات السوق الأمريكية الأساسية وخصوصا في القطاع الطبي والأجهزة الالكترونية وقطع الغيار وغيرها إن أرادت. وبعد سباق الصين في تقنية (5G)، ومدها لطريق الحرير ليربطها بالعالم كله تقريبا، واختراقها لسوق القارة الافريقية، ونمو قدراتها المالية الكبيرة، أدركت الولايات المتحدة أنه لم يعد بإمكانها تجاوز قوة الصين إذا ظلت مكتوفة الأيدي ومستسلمة للواقع. وأن استمرار نهوض العملاق الصيني بهذه القوة سينشأ عنه تصادم اقتصادي يولّد مواجهة متوقعة في نطاق الهيمنة الجيوستراتيجية على مستوى العالم[6].

طرح الرئيس الأمريكي ترمب شعار “أمريكا أولا"، مما يعني الانكماش للداخل الأمريكي في البعد الاقتصادي، والضغط على العديد من الشركات الأمريكية العالمية كجنرال موتورز وغيرها لجلب مصانعها الخارجية للداخل الأمريكي. ودخل الرئيس ترمب في صراع اقتصادي مع العديد من الدول ابتداء من الصين إلى أوروبا. وفرض رسوم على البضائع الصينية والأوربية المُوردة للولايات المتحدة.

ولما كانت الصين نقطة ارتكاز عالمية في الاقتصاد العالمي حيث ارتبطت اقتصاديات عالمية بها، فإن أي مشكلة كبيرة تحدث فيها ستنعكس آثارها السلبية على الاقتصاد العالمي مباشرة. ذلك أن الصين بالنسبة لبقية العالم هي مصدر للطلب ومصدر للعرض ومحور اهتمام الأسواق المالية[7] ففي عام 2019، بلغت واردات الصين 2.1 تريليون دولار من ستاربكس والدجاج المقلي من Yum حيث تعد المبيعات في الصين مصدرًا رئيسيًا للشركات متعددة الجنسيات.

التكنلوجيا (5G)

كثفت الولايات المتحدة من جهودها لمنع تطور الصين للاتصالات من الجيل الخامس أو 5G ، مستهدفة شركة Huawei Technologies ، الشركة الصينية الخاصة التي تعد الآن أكبر شركة لتصنيع معدات الاتصالات في العالم ومورد رئيسي لمعدات 5G، ولا يوجد بلد يقترب من الصين من حيث الاستثمار الواسع في شبكات الجيل الخامس ونشر البنية التحتية. فقد خصصت الصين ما يقرب من 170 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة لبناء شبكة الجيل الخامس، ومن المتوقع بحلول نهاية عام 2020 أن يكون لديها 620 ألف محطة قاعدية لدعم قدرات 5G المتقدمة[8].

بينما في الولايات المتحدة في الولايات المتحدة، اقتصر تقدم شبكات الجيل الخامس إلى حد كبير على المدن والملاعب الرياضية، التي أصبحت الآن خالية وتأتي معظم استثمارات 5G الأمريكية من القطاع الخاص. لكن المراقبون يقولون إن هناك عاملًا آخر يعيق الولايات المتحدة وهو نقص الطيف اللاسلكي أو الموجات الهوائية المخصصة لإشارات الجيل الخامس. وظلت موجات الأثير الأمريكية مقيدة في خلافات بين الجيش والوكالات الفيدرالية الأخرى التي تقاتل من أجل المخصصات، وقد تستغرق لجنة الاتصالات الفيدرالية عامًا آخر لحل هذا المأزق.[9]

وبحسب أخبار آسيا (asiatimes)[10]، فإنه بحلول نهاية عام 2014، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين، وفقًا لقياس تعادل القوة الشرائية، 17.6 تريليون دولار، متجاوزًا بشكل طفيف 17.4 تريليون دولار للولايات المتحدة، التي كانت أكبر اقتصاد في العالم منذ عام 1872.  وفي مايو 2015، أصدرت الحكومة الصينية خطة "صنع في الصين 2025" التي تهدف إلى التطوير السريع لعشر صناعات عالية التقنية، بما في ذلك السيارات الكهربائية، وتكنولوجيا المعلومات من الجيل التالي، والاتصالات، والروبوتات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي. كانت الخطة تهدف إلى تحقيق 70٪ من الاكتفاء الذاتي في صناعات التكنولوجيا الفائقة وموقع مهيمن في مثل هذه الأسواق العالمية بحلول عام 2049، بعد قرن من تأسيس جمهورية الصين الشعبية.

وفي عام 2018، انتقلت صناعة الرقائق المحلية من تعبئة واختبار السيليكون الأساسي إلى تصميم وتصنيع الرقائق عالية القيمة. في العام التالي، أشارت جمعية صناعة أشباه الموصلات الأمريكية إلى أنه بينما قادت أمريكا العالم بما يقرب من نصف حصتها في السوق العالمية، كانت الصين هي التهديد الرئيسي لمكانتها بسبب استثمارات الدولة الضخمة في التصنيع التجاري والبحث العلمي.

وأشارت دراسة أجراها كينجنان شي من جامعة نانجينغ وريتشارد فريمان من جامعة هارفارد إلى أنه بين عامي 2000 و2016، تضاعف نصيب الصين من المنشورات العالمية في العلوم الفيزيائية والهندسة والرياضيات أربع مرات، متجاوزًا حصة الولايات المتحدة. وفي عام 2019، ولأول مرة منذ تجميع أرقام براءات الاختراع في عام 1978، فشلت الولايات المتحدة في تقديم أكبر عدد منها. ووفقا للمنظمة العالمية للملكية الفكرية، قدمت الصين طلبات للحصول على 58990 براءة اختراع والولايات المتحدة 57840 براءة اختراع. كما تصدرت الصين العالم في مجال المدفوعات عبر الهاتف المحمول، واحتلت الولايات المتحدة المركز السادس. في عام 2019، حيث بلغت هذه المعاملات في الصين 80.5 تريليون دولار. بسبب جائحة Covid-19، شجعت السلطات العملاء على استخدام الدفع عبر الهاتف المحمول والدفع عبر الإنترنت ودفع الباركود لتجنب خطر الإصابة. وبلغ الإجمالي المتوقع لمدفوعات الهاتف المحمول: 111.1 تريليون دولار. تبدو الأرقام المقابلة للولايات المتحدة عند 130 مليار دولار ضئيلة بالمقارنة.[11]

هواوي (باللغة الصينية، تعني "إنجاز رائع") تصنع الهواتف وأجهزة التوجيه التي تسهل الاتصالات حول العالم. تأسست عام 1987، ويبلغ عدد العاملين فيها 194000 وتعمل في 170 دولة. وفي عام 2019، بلغت مبيعاتها السنوية 122.5 مليار دولار. في عام 2012، تفوقت على أقرب منافس لها، شركة Ericsson Telephone Corporation السويدية البالغة من العمر 136 عامًا، لتصبح أكبر مورد في العالم لمعدات الاتصالات السلكية واللاسلكية، مع 28٪ من حصة السوق على مستوى العالم. في عام 2019، تقدمت على شركة Apple لتصبح ثاني أكبر شركة لتصنيع الهواتف بعد Samsung.

في مايو 2019، منعت وزارة التجارة الأمريكية الشركات الأمريكية من توريد المكونات والبرامج إلى Huawei لأسباب تتعلق بالأمن القومي. وبعد عام، فرضت حظرًا على شراء هواوي للرقائق الدقيقة من الشركات الأمريكية أو استخدام البرامج المصممة في الولايات المتحدة. وأطلق البيت الأبيض أيضًا حملة عالمية ضد تثبيت أنظمة 5G للشركة في الدول الحليفة، وحققت نجاحًا متباينًا.[12]

 

نظام المواقع الدولي (BeiDou)

حيث عملت الصين منذ عام 2000 على تطوير نظام BeiDou للملاحة عبر الأقمار الصناعية (BDS)، حيث أطلقت الصين منذ شهر القمر الصناعي الخامس والخمسون ليكتمل نظامها الملاحي.

وبالتالي تستقل الصين تماما عن النظام الملاحي الأمريكي.

 

هذه الخطوة مهمة لأنها ستضمن بقاء الأنظمة العسكرية الصينية على الإنترنت في حالة حدوث صراع مع الولايات المتحدة، لكنها أيضًا جزء من دفع بكين لزيادة نفوذها التكنولوجي في الخارج.

نظام بيدو مرتبط بمبادرة الحزام والطريق الصينية وهي مشروع بنية تحتية ضخم وخطة سياسة خارجية تربط عدة قارات عبر السكك الحديدية والطرق وطرق الشحن. وكجزء من ذلك، اقترضت دول كثيرة مبالغ كبيرة من الصين، وهي خطوة تظهر الاعتماد المتزايد على الديون الصينية ويزيد من نفوذ الصين في كل مكان، وأن دول مثل تايلاند وباكستان تستخدم بالفعل نظام بيدو في استخدامات مختلفة، وأفاد يانغ تشانغ فنغ كبير مصممي بيدو، إن أكثر من نصف دول العالم تستخدم الشبكة [13].

 

نظام الدفع عبر الحدود الصيني (CIPS)

منذ أن بدأ بنك الصين الشعبي في تشغيل نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود (Cross-border Interbank Payment System) في أكتوبر 2015، شاركت فيه مئات البنوك في 89 دولة وعالج النظام 26 تريليون يوان (3.77 تريليون دولار) من المدفوعات في 2018. ويجذب نظام التسوية بشكل خاص استخدام الدول المعرضة للعقوبات الأمريكية، مثل روسيا وتركيا، وكذلك الدول الأفريقية على الجانب المتلقي لمشاريع البنية التحتية التي تقودها الصين في إطار مبادرة الحزام والطريق في بكين[14].

 

الطرق التجارية البرية العملاقة والموانئ والخطوط البحرية  

تتحرك الصين بخطى ثابتة لتصبح الإمبراطورية الأكبر التي تنافس الولايات المتحدة وتعمل من خلال مبادرة اقتصادية ضخمة تسمى "الحزام والطريق" تمكنها من التمدد الاقتصادي عالمياً. وقد انفقت الصين ما يقارب ثلاثمئة مليار دولار على هذا المشروع.

وفي مجال السيطرة على الموانئ والخطوط البحرية فقد أبرمت الصين مجموعة من الاتفاقات التجارية من خلال القروض التي تقدمها. وبالرغم من ارتفاع نسبة الفائدة الصينية وشروط الاستحواذ على الموانئ لعشرات السنين، إلا أن العديد من دول العالم الثالث تتجه نحو الصين لعدم اشتراطها تطبيق الديمقراطية وممارسة حقوق الانسان وحقوق المرأة والتحرر والليبرالية التي تطلبها الدو الغربية.

فقد حصلت الصين في سيريلانكا حيث خط الملاحة الأكثر ازدحاما بين شرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا على ٨٥% من حصة مرفأ "هامبانتونتا" الإستراتيجي بعقد مدته ٩٩ سنة، بالإضافة لحوالي ١٥ ألف فدان قريبة من الميناء كمنطقة صناعية. حيث أغدقت الصين حوالي ثمانية مليارات دولار بفائدة قدرها ٦.٣%، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالبنك الدولي الذي تتراوح فوائده بين 0.25% -3%. كما رهنت كينيا أكبر وأهم مرفأ بها "ميناء مومباسا" للحكومة الصينية، وذلك بسبب قروضها المتراكمة، حيث بلغ حجم الديون أكثر من 5.5 مليارات دولار، مما يضع كينيا ضمن الدول الأكثر عرضة لفقدان الأصول الاستراتيجية لصالح بكين. أما في باكستان فقد استثمرت الشركات التابعة للحكومة الصينية نحو ٦٢ مليار دولار لبناء محطات الطاقة الشمسية ومحطات توليد الطاقة، وبناء وتوسيع الطرق السريعة، وتجديد خطوط السكك الحديدية. إثر ذلك استحوذت إحدى الشركات الصينية على ميناء غوادر الاستراتيجي لمدة أربعين عاما، وستمتلك الشركة ٨٥% من إجمالي إيراداته.

وفي المالديف فتقدر ديون الصين 1.3 مليار دولار (أي أكثر من ربع إجمالي الناتج المحلي السنوي) وقد استأجرت بكين إحدى جزرها لمدة خمسين عاما. وفي بنغلاديش فقد وضعت الصين يدها على أكبر وأهم ميناء بحري فيها وهو مرفأ شيتاغونع[15].

وفقا لوزارة النقل الصينية، شاركت الشركات الصينية في بناء وتشغيل ما مجموعه 42 ميناء في 34 دولة. وتشمل هذه الموانئ ميناء بيريوس فى اليونان وميناء هامبانتوتا فى سريلانكا وميناء جوادار في باكستان.  كما وقعت بكين أيضا 38 اتفاقية بحرية ثنائية وإقليمية تغطى 47 دولة على طول الطرق التجارية. وقال مسؤولون بحريون إن شركة "تشينا ميرشانتس بورت هولدينجز" استحوذت بالكامل على العمليات فى محطة حاويات دورالى في جيبوتي، فى حين أن شركة الإنشاءات الصينية للهندسة المدنية المملوكة للدولة وشركة الصين للإنشاءات الهندسية، قد أقامتا مرفأ جديدا متعدد الأغراض بجوار مرافئ المواشي والصلب والسلع الأخرى. حيث حذر جنرال البحرية توماس والدهاوزر، وهو أكبر ضابط بالجيش الأمريكي لأفريقيا، حذر أمام جلسة للكونجرس، العام الماضي، أن الجيش الأمريكي قد يواجه عواقب كبيرة إذا ما استولت الصين على الميناء فى جيبوتى.[16]

 

الذهب

إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مالك للذهب، فإن الصين أكبر منتج له. وقد اشترت الصين من السوق الرسمية الصين في 3 سنوات الماضية 84 طنا، واشترت روسيا في 3 سنوات الماضية 616 طن ذهب، أما تركيا فقد اشترت في 3 سنوات الماضية 336 طن. في حين أنتج العالم في 2019 قرابة 75 مليون اونصة (2100 طن). هذا عدا الكميات لاتي اشترتها الصين من السوق غير الرسمية، وهذا يصب في اتجاه تدعيم عملتها تمهيدا وتجهيزا للانفكاك عن الدولار الأمريكي.

 

 

التمدد والنفوذ الصيني في افريقيا

قدم مركز المستقبل للدراسات والبحوث المتقدمة في 17/10/2019 عرضا لبحث قدمه كل من عادل عبد الغفار وآنا جاكوبس بعنوان " مرتكزات النفوذ الصيني المتصاعد في شمال إفريقيا"[17]، حيث بينا أن من أبرز مرتكزات النفوذ الصيني في شمال إفريقيا:

القوة الناعمة الصينية:

التي كانت في غالبيتها ذات طبيعة اقتصادية، إلا أنَّ بكين استطاعت أنْ تقدِّم نموذجًا فريدًا لنفوذ اقتصادي "ناعم" يعتمد على الدبلوماسية الاقتصادية كمقاربة تُغَلِّب الجزرة على العصا، بمعنى تغليب المكافأة والمنح على العقاب. حيث يعتمد الجانب التجاري للنفوذ الصيني في شمال إفريقيا على الشرعية المتنامية للنموذج التنموي الذي تتبنَّاه بكين، وهو نموذج يقوم على مبدأ "عدم التدخُّل" على عكس النموذج الغربي الليبرالي الذي يجعل من القيم الديمقراطية والمبادئ الليبرالية ذريعة لشرعنه التدخُّل في الشئون الداخلية لدول الإقليم والمنطقة بأكملها. وهناك ثلاثة مظاهر للقوة الناعمة الصينية في دول شمال إفريقيا، هي على النحو التالي:

١-التجارة: إذ تعزِّز الصين تبادلاتها التجارية مع دول شمال إفريقيا فعلى سبيل المثال، غدت بكين أكبر شريك تجاري للجزائر، متجاوزة بذلك فرنسا في عام 2013. وأضحت مصدر الجزائر الأول من الواردات التي بلغت قيمتها نحو 7.85 مليارات دولار في عام 2018.

٢-الاستثمار والبنى التحتية: تكثِّف الشركات الصينية نشاطاتها في الجزائر، على سبيل المثال، في قطاعات الطاقة والإسكان والتشييد. فثمة مشروعات عدة دُشِّنت باستثمارات صينية، منها: أوبرا الجزائر، وجامع الجزائر، وفندق شيراتون، وغيرها.

٣-حركة الأفراد: لا تكتفي بكين بتدشين وتمويل المشروعات في دول شمال إفريقيا، إذ تعمل أيضًا على دعم التبادلات على مستوى الأفراد. ويُقْصد بهذه التبادلات تعزيز معدلات انتقال الأفراد للعمل والسياحة والدراسة أو غيرها من الأغراض، وكلها تعزِّز التبادل الثقافي بين الصين ودول شمال إفريقيا. فالجزائر، على سبيل المثال، تستضيف ما يربو على 50 ألف عامل صيني. كما تنامت أعداد السائحين الصينيين إلى عدد من دول شمال إفريقيا، ناهيك عن انتشار المعاهد والمراكز الثقافية الصينية في هذه الدول.

ثانيًا-القوة الصلبة:

أفسح النفوذ الاقتصادي الصيني، الآخذ في التصاعد، المجال واسعًا أمام تعميق التعاون الأمني والعسكري مع دول شمال إفريقيا. وبحسب التقديرات التي أوردها مشروع "قوة الصين"، الذي أطلقه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تمثِّل الدول الإفريقية الوجهة الأولى والرئيسية للأسلحة الصينية. وتمثِّل صادرات الأسلحة حوالي 42% من إجمالي الصادرات الصينية إلى القارة الإفريقية.

كما أقرضت الصين دولا في القارة قرابة 125 مليار دولار أميركي ما بين عامي 2000 و2006، وتعهدت خلال منتدى التعاون الصيني الأفريقي مؤخرا بتقديم ستين مليارا أخرى. ونمت التجارة بين الطرفين من عشرة مليارات دولار عام 2000 إلى 190 مليارا بحلول عام 2017. وتشير التقديرات إلى أن 12% من الإنتاج الصناعي لأفريقيا (خمسمئة مليار دولار سنويا) تتولاه شركات صينية[18].

 

رابعا: الصعوبات المتبادلة أمام الولايات المتحدة الأمريكية

إن القوة الاقتصادية والعسكرية المتنامية للصين تدفع الولايات المتحدة الأمريكية لعزل الصين عن التكنولوجيا الفائقة التي تمتلكها الولايات المتحدة وكذا الملكية الفكرية ومحاولة إجبار الحلفاء على أن يحذو حذوها. كما يرى أن الأمر سيتطلب انضباطًا هائلاً من قبل القادة السياسيين للحفاظ على التعاون الدولي وعدم التراجع إلى المنافسة الجيوسياسية العلنية. وستتجه الولايات المتحدة نحو الحفاظ على تفوقها العالمي ومتوجهة نحو الانخراط في منافسة جيوسياسية صفرية سياسيًا واقتصاديًا مع الصين، ويبين جوزيف ناي أنه حتى لو سادت الولايات المتحدة كقوة عظمى فإنها لا تستطيع حماية أمنها من خلال التصرف بمفردها، إذ أن التقنيات الحديثة أصبحت عالمية في توزيعها وعواقبها. إذ أن مفتاح النجاح هو معرفة أهمية القوة مع الآخرين ومعرفة كيف نحدد مصلحتنا الوطنية بالنسبة للمصلحة الكلية. كما لم تعد الولايات المتحدة قائدة دولية بسبب المصلحة الذاتية الضيقة لحكومتها.

ويشهد العالم ارتفاع حدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية وسترجح كفة الميزان الاقتصادي لصالح الصين بشكل واضح. وستتعقد الأمور بينهما خصوصا أن هناك مشاكل عالقة بين الطرفين قبل هذه الجائحة وكلها كفيلة بإشعال الموقف ومن أهمها[19]:

  1. برنامج طريق الحزام الصيني
  2. خلاف الملكية الفكرية
  3. عقوبات الولايات المتحدة
  4. المنافسة على ريادة التكنولوجيا
  5. مبادرات العملات البديلة للدولار
  6. تقدم الصين على الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي والبيانات الكبيرة.
  7. امتلاك الصين 1.12 تريليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية، ما يعادل 17.7% من قيمة سندات الخزانة الأمريكية التي تملكها الحكومات الأجنبية

في المقابل، سيبقى وضع الصين التجاري في أزمة بسبب ضعف الشراء العالمي نتيجة عدم توفر السيولة، مما يعني أن مصانع الصين لن تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية، مما سيدفعها لمزيد من التفاوض والحكمة في إدارة تموضعها العالمي، ومحاولات تشغيل سلاسل التوريد العالمية[20].

 

خامسا: الصين والتحالفات الدولية

وهنا يمكن تصنيف النظام التحالفي الصيني إلى الأقسام التالية:

  • حلفاء أساسيين وهم كوريا الشمالية وروسيا
  • حلفاء مقربين وهم إيران ومن المحتمل فنزويلا
  • حلفاء تجاريين وهم تركيا وسيريلانكا ودول افريقية مثل كينيا وغيرها

وهذا يعني تمدد النفوذ الصيني ليس الإقليمي بل العالمي والذي يقع ضمن دائرة التهديد الاستراتيجي الأمريكي.

ومن الملفت للنظر أن الصين وروسيا وتركيا ودول أخرى بدأت تتعامل من خلال القنوات المالية الصينية والتبادل التجاري بالعملات المحلية.

وفي المقابل فهناك شريط حلفاء للولايات المتحدة الأمريكية محيط بالصين مكون من كوريا الجنوبية واليابان وتايوان التي تستضيف مجموعة من القواعد العسكرية الأمريكية. وهناك أيضا الهند التي بدأت في المواجهة التجارية لحد ما مع الصين.

كما أن الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة الأمريكية خصوصا دول أوربا الغربية وحلف الناتو يشكل مصدا قويا في وجه الصين وتمددها. ولعل جائحة كورونا بينت عمق الاختراق الصيني لسلاسل التوريد العالمية، مما شكل منبها للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها. 

الاستنتاج

تقدمت الصين ونهضت كقوة عالمية بهدوء وعلى مدى عشرات السنين واستطاعت أن تحدث اختراقا في الأبعاد الجيوستراتيجية الأربعة الفضاء والأرض والبحر والزمان. فأنشأت منظومة مواصلات برية تمثلت في طريق الحرير الكبير الذي يمر بالعديد من دول العالم وصولا لأروبا، وشيدت العديد من سكك الحديد في افريقيا، وتؤسس لخط بحري يمثل الجزء البحري من طريق الحرير وباتت تسيطر على ما يقرب من 18% من الخطوط البحرية العالمية، وتشغل عشرات الموانئ البحرية، وانتهت من نظام عالمي للملاحة عبر الأقمار الصناعية منافس لنظام GPS ، وتقدمت على الولايات المتحدة الأمريكية في منظومة 5G  في سابقة تكنلوجية مميزة، وتمددت في افريقيا من خلال اتفاقيات اقتصادية وشبكة اعمال تجارية كبيرة ومتشعبة فيها، واستطاعت أن تكون جزءا أساسيا من منظمة سلاسل التوريد العالمية التي أسستها الرأسمالية الغربية من خلال نظام العولمة، وباتت دول العالم بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد بشكل كبير على المنتجات الصينية.

وبالتالي تكون الصين قد دخلت دائرة التهديدات الأمريكية الاستراتيجية حيث أضحت منافسا نظيرا معاد للولايات المتحدة، مما يدفع الولايات المتحدة لمعارضة التحركات الإقليمية والدولية الصينية لمواجهة صعود الصين بطريقة تتماشى مع الاستراتيجية الأمريكية الكبرى القديمة. كما أصبحت الصين تشكل تحديا مباشرا لحلفاء الولايات المتحدة وفي مقدمتهم اليابان وكوريا الجنوبية. كما أن الصين أصبحت قوة نووية وتملك العديد من أسلحة الدمار الشامل، إضافة لطرحها لنظام (CIPS) كبديل عن نظام التحويلات المالية العالمية، وباتت تعرض المنظومة المالية العالمية الدولية للتهديد مما قد يشكل عرقلة حقيقية للاقتصاد العالمي.

وبناء عليه فستندفع الولايات المتحدة وترفع من سقف مواجهتها مع الصين في حرب باردة جديدة خصوصا في المجال التجاري والمالي وستضع جميع المعوقات الممكنة في وجه الصين، مستخدمة قدراتها المالية وقدرتها على الضغط على العديد من الدول للحد من الاختراق الصيني. وفي المقابل سترد الصين بهدوء على تلك المواجهة الأمريكية بل قد تقدم بعض التنازلات. إلا أن الصين ستعمل وبكل قوة على تجنب أي مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية إذ أن ذلك سيكون دمارا لها وسيعيدها إلى مربعات قديمة قد تجاوزتها. ولن تدخل الصين في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة إلا إذا حُشرت في الزاوية ولم يكن لها أي مفر من ذلك، وبالتالي فإن قرار نقل المواجهة من حرب باردة إلى مواجهة عسكرية سيكون قرارا أمريكيا أكثر منه صينيا.

ومن المتوقع إن حدث هذا التحول للصراع العسكري (بغض النظر عن احتماليته) أن ينتج عنه مواجهة عنيفة بين الصين وحلفائها التي ستدافع بشراسة عن مكتسبات وانجازات استغرقت عشرات السنين وتريليونات الدولارات لبنائها وستخسر الكثير، وبين قوة عظمى مهيمنة وقد تكون هذه آخر مواجهة لها لتبدأ في انزلاق متسارع نحو الانكماش وفقدان الهيمنة التي شكلتها منذ عشرات السنين.   

 

  

المراجع

 

طلال أبو غزالة، الأزمة الاقتصادية العالمية ۲۰۲۰ والحرب العالمية الثالثة، 2019

عادل عبد الغفار وآنا جاكوبس، " مرتكزات النفوذ الصيني المتصاعد في شمال إفريقيا"، 17/10/2019، عرض جهاد الخطيب، مركز المستقبل للدراسات والبحوث المتقدمة. Adel Abdel Ghafar and Anna L. Jacobs, “Beijing calling: Assessing China’s growing footprint in North Africa”, Brookings Institution September 2019. https://futureuae.com/%3B/Mainpage/Item/5034/%D8%B9%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D8%AF%D8%AF-%D9%85%D8%B1%D8%AA%D9%83%D8%B2%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D9%88%D8%B0-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A5%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7

 

عبد الله الرشيد، "فخ الديون" كيف تستخدم الصين المال لـ"استعمار" العالم الثالث؟، الجزيرة نت، 7/4/2019 https://www.aljazeera.net/news/politics/2019/4/7/%D9%81%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AF%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84

 

لماذا تغزو الصين افريقيا، الجزيرة نت، 12/7/2019، اكول دوك وبرادلي تايير

 

وائل شديد، الجيوستراتيجي بين المفهوم والتطبيق، 2020

وائل شديد، ماذا ينتظر العالم بعد كورونا سيناريوهات، 2020، مركز الصفوة للدراسات الحضارية

اليوم السابع، "الموانئ" مفتاح جديد للنفوذ الصيني، 1 مارس 2019. https://www.youm7.com/story/2019/3/1/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%A6-%D9%85%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AD-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%84%D9%84%D9%86%D9%81%D9%88%D8%B0-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86%D9%89-%D9%81%D9%89-3-%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%AC%D9%8A%D8%A8%D9%88%D8%AA%D9%89-%D8%A2%D8%AE%D8%B1/4151961

 

Bouey, Jennifer. "Assessment of COVID-19’s Impact on Small and Medium-Sized Enterprises." Rand, 10 Mar. 2020, www.rand.org/content/dam/rand/pubs/testimonies/CT500/CT524/RAND_CT524.pdf

 

Hiro, D. (2020, August 19). Why China is taking over the ‘American century’. Retrieved from https://asiatimes.com/2020/08/why-china-is-taking-over-the-american-century/

 

Hooker, R. (2014). The Grand Strategy of the United States. Washington, D.C.: National Defense University Press.

Kapadia, R. (2020, May 15). The U.S. and China’s Next Battle Won’t Be Won With Tariffs. Barron's. Retrieved from https://www.barrons.com/articles/5g-networks-have-become-a-new-front-in-u-s-china-trade-war-51589583930

Kharpal, A. (2020, June 21). China aims to complete its own GPS system, giving Beijing military independence in case of conflict. In CNBC. Retrieved from https://www.cnbc.com/2020/06/22/beidou-china-aims-to-complete-gps-system-that-rivals-us.html 

KIDA, K., KUBOTA, M., CHO, Y. (2019, May 20). Rise of the yuan: China-based payment settlements jump 80%. Asia Nikkei Review. Retrieved from https://asia.nikkei.com/Business/Markets/Rise-of-the-yuan-China-based-payment-settlements-jump-80

Orlik, T., Rush, J., Cousin, M., Hong, J. (2020, March 6). Corona virus Could Cost the Global Economy $2.7 Trillion. Here’s How. Bloomberg. Retrieved from https://www.bloomberg.com/graphics/2020-coronavirus-pandemic-global-economic-risk/

[1] Hooker, R. (2014). The Grand Strategy of the United States. Washington, D.C.: National Defense University Press.

[2] Hooker, R. (2014). The Grand Strategy of the United States. Washington, D.C.: National Defense University Press.

[3] وائل شديد، الجيوستراتيجي بين المفهوم والتطبيق، 2020

[4] Bouey, Jennifer. "Assessment of COVID-19’s Impact on Small and Medium-Sized Enterprises." Rand, 10 Mar. 2020, www.rand.org/content/dam/rand/pubs/testimonies/CT500/CT524/RAND_CT524.pdf

[5] وائل شديد، ماذا ينتظر العالم بعد كورونا سيناريوهات، 2020، الصفوة للدراسات الحضارية

[6] وائل شديد، ماذا ينتظر العالم بعد كورونا سيناريوهات، 2020، الصفوة للدراسات الحضارية

[7] Orlik, T., Rush, J., Cousin, M., Hong, J. (2020, March 6). Corona virus Could Cost the Global Economy $2.7 Trillion. Here’s How. Bloomberg. Retrieved from https://www.bloomberg.com/graphics/2020-coronavirus-pandemic-global-economic-risk/

 

[8] Kapadia, R. (2020, May 15). The U.S. and China’s Next Battle Won’t Be Won With Tariffs. Barron's. Retrieved from https://www.barrons.com/articles/5g-networks-have-become-a-new-front-in-u-s-china-trade-war-51589583930

 

[9] Kapadia, R. (2020, May 15). The U.S. and China’s Next Battle Won’t Be Won With Tariffs. Barron's. Retrieved from https://www.barrons.com/articles/5g-n